آداب المدين و خطورة الديون للشيخ محمد حسام
من الآداب المتعلقة بالمَدين (المُقتَرِض) : 1-الاقتراض عند الضرورة: ابتُلي الناس – في هذا العصر - بالانشغال بالكماليات والاستزادة منها والتفاخر بها؛ من المراكب والأثاث والهواتف واللباس والزينة ونحوها. فالبعض يقترض لأجل أنْ يشتريَ سيارةً فخمة؛ مع أن لديه سيارة تفي بغرضه، أو يقترض لأجل السفر والترويح عن نفسه وأهله! فالواجب على المرء ألاَّ يُذِلَّ نفسَه، فإنَّ يد المُقترض هي السُّفلى، ولا ريب أنَّ الدين هَمٌّ بالليل وذُلٌّ بالنهار، وربَّما قاد بعضَهم إلى الكذب للتخلُّص من المواقف المُحرِجة.
2- العزيمة على قضاء الدَّين: فهذا الذي يُعينه الله تعالى ويُوفِّقه لقضاء الدين الذي عليه، وحذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ أموال الناس بغير حق، فقال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» رواه البخاري. فالذي يعزم على قضاء دينه يُعينه الله على ذلك، وييسر له قضاء الدين؛ لِحُسن نيته، وجاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ [أي: المديون] حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ» صحيح - رواه ابن ماجه.
وأمَّا مَنْ أخذ أموالَ الناس يُريد إتلافها على صاحبها أتلفه الله تعالى، وأذهَبَ مالَه فلا ينتفع به لسوء نيته، ويبقى عليه الدَّين، ويُعاقب به يوم القيامة، ففي الحديث الحضُّ على ترك استئكال أموال الناس، والتنزه عنها، وحُسن التأدية إليهم عند المداينة[2].
3- لا يقترض أكثر من حاجته: بل يقتصر على ما يكفيه لتحقيق غرضه من القرض؛ لأنه لا يأمن أنْ يموت مَدِيناً، وتكون حقوق الناس أمانة في عنقه؛ فربما حَبَسَ الدينُ صاحبَه عن دخول الجنة؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلاَنٍ؟ إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ» صحيح - رواه أبو داود. وفي رواية: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوسٌ بِبَابِ الجَنَّةِ بِدَينٍ عَلِيْهِ) صحيح - رواه الطيالسي في "مسنده". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» صحيح - رواه الترمذي وابن ماجه.
والشهيد الذي بذل نفسه في سبيل الله تعالى لا تسقط عنه أموال الناس؛ بل تبقى ذمته مشغولة حتى يُقضى عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلاَّ الدَّيْنَ» رواه مسلم. وقال أيضاً: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ الدَّيْنَ» رواه مسلم.
4- الوفاء بالدين في موعده، وعدم المماطلة: إنَّ كثيراً من الناس يتأخر عن سداد الدَّين في موعده، أو يُماطل، ولا يُبادر بقضاء الدين رغم استطاعته، وهذا ظلم؛ لأن فيه إضراراً بحقوق الناس ومصالحهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» رواه البخاري ومسلم. والمماطِلُ الذي أخَّرَ الحقَّ عن صاحبه - مع قدرته على السداد – يُعتَبَر ظالماً بهذه المماطلة، فدل على تحريم هذا الفِعل، ومن علامات المنافق أنه إذا وعد أخلف.
5- حُسن القضاء: سداد الدين في موعده المحدد من حُسن القضاء، ويدخل في ذلك شكر الدائن لما فعله من الإحسان، ويدخل فيه أيضاً قضاء الشيء كما أخذه أو أحسن منه؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا تقاضاه رجل بعيراً - كان قد اقترضه منه - أرسل مَنْ يشتري له غيرَه، فقالوا: لاَ نَجِدُ إِلاَّ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ! فقَالَ لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ؛ فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» رواه البخاري ومسلم.